محمد سعيد رمضان البوطي
29
فقه السيرة ( البوطي )
إلا مشوّهة فاسدة ، وذلك كتعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة وكالوقوف بعرفة وهدي البدن ، فأصل ذلك كله مشروع ومتوارث لديهم من عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ولكنهم كانوا يطبقونه على غير وجهه ويقحمون فيه الكثير مما ليس منه ، وكإهلالهم بالحج والعمرة ، فقد كانت كنانة وقريش يقولون إذا أهلوا : « لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك ، إلا شريك هو لك ، تملكه وما ملك » فيوحدونه - كما قال ابن هشام - بالتلبية ، ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده . والخلاصة : أن نشأة التاريخ العربي إنما تمت في كنف الحنيفية السمحة التي بعث بها أبو الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام فكانت تغمر حياتهم عقيدة التوحيد ونور الهداية والإيمان ، ثم أخذ العرب يبتعدون عن ذلك الحق رويدا رويدا ، بعامل امتداد الزمن وتطاول القرون وبعد العهد ، وأخذت حياتهم تنغمر بدلا من ذلك بظلمات الشرك وضلالات الكفر وعماهة الجهل ، مع استمرار بقايا من معالم الحق القديم ومبادئه تخبّ في سير بطيء مع تاريخهم تذوي وتضعف مع الدهر ويقل أنصارها ما بين سنة وأخرى . فلما استنارت شعلة الدين الحنيف من جديد ، ببعثة خاتم الأنبياء محمد صلى اللّه عليه وسلم ، أقبل الوحي الإلهي إلى كل ما قد تكثف من ضلال وظلمات خلال تلك الحقبة الطويلة من الزمن فمحاه وأنار مكانه بقبس الإيمان والتوحيد ومبادئ العدالة والحق ، وأقبل إلى تلك البقايا التي امتدت بها الحياة إلى مشرق النور الجديد ، مما كان قد بعث به إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأقرته الشرائع الإلهية . فأقرها وأكدها وجدد الدعوة إليها . ولا ريب أن من نافلة القول وفضوله أن نؤكد بأن هذا الذي نقرره شيء معروف بالبداهة لمن اطلع على التاريخ ، وأنه شيء ثابت بالبداهة لمن درس شيئا من الإسلام ، غير أننا نضطر في هذا العصر إلى أن نضيع كثيرا من الوقت في تأكيد البدهيات وتوضيح الواضحات ، وذلك بعد أن رأينا بأعيننا كيف يخضع بعض الناس اعتقاداتهم لمجرد ما قد يكون في نفوسهم من الرغبة والإرادة . أجل ، فلقد عاشت هذه النوعية من الناس ، ولم يعد يهمها أنها إنما تصفّد عقلها بأقسى أغلال العبودية والاسترقاق الفكري ! . . وما أعظم الفرق بين أن تكون إرادتك من وراء عقيدتك ، وبين أن تكون عقيدتك من وراء إرادتك ، ما أعظم الفرق بينهما علوا وإسفافا ، وعزة وانحطاطا ! . . لقد وجد ناس يقولون - على الرغم من بداهة ما قلناه ووضوح براهينه - إن العصر